الألم و الرجاء... لماذا يسمح ربنا بالألم ؟
تأملات كنيسة الحياة الجديدة الروحية

الألم و الرجاء... لماذا يسمح ربنا بالألم ؟

لماذا يتألم المؤمن المسيحي رغم إيمانه؟ تأمل كتابي شامل يجيب من الكتاب المقدس عن سرّ الألم والمعاناة، مع أمثلة حية من حياة أيوب ويوسف وبولس، وكلمات تعزية لكل قلب متألم.

Ali Abdi 2026/07/12 101 قراءات 1 مشاركات
أصل الألم... وصرخة الخليقة حين نتأمل في حال العالم من حولنا، ندرك أن الألم ليس مجرد تجربة فردية أو حادثًا عارضًا يصيب بعض الناس دون غيرهم، بل هو واقع كوني يشمل الخليقة بأسرها. ويصف الرسول بولس هذا المشهد بكلمات تكشف عمق المعاناة الإنسانية، إذ يقول: «فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الْآنَ.» (رو ٨: ٢٢) إن هذا "الأنين" يكشف لنا أن الألم لم يكن يومًا جزءًا من قصد الله الأصلي للخليقة، بل هو نتيجة الشرخ العميق الذي حدث في العلاقة بين الإنسان وخالقه. فمنذ لحظة السقوط في جنة عدن، لم يتألم الإنسان وحده، بل أُخضعت الخليقة كلها للبُطل، أي لحالة من الفساد والزوال، كما يوضح الرسول بولس (رو ٨: ٢٠). وقد بدأت جذور هذا الوجع منذ سفر التكوين، حين تحولت الحياة إلى كدح وتعب؛ فأصبحت الولادة مصحوبة بالألم (تك ٣: ١٦)، وصارت الأرض، التي كانت تعطي ثمرها بسخاء، لا تمنح خبزها إلا بعرق الجبين والتعب (تك ٣: ١٧-١٩). ويقدم لنا الكتاب المقدس تفسيرًا واضحًا لهذا الواقع، إذ يعلن أن الخطية دخلت إلى العالم بإنسان واحد، ومعها دخل الموت والفساد إلى البشرية كلها (رو ٥: ١٢). لذلك نعيش اليوم في عالم يئن ويتمخض، لا متجهًا إلى الفناء، بل مترقبًا ميلاد الخليقة الجديدة، في انتظار إعلان أبناء الله وفداء الخليقة بالكامل (رو ٨: ١٩-٢١). لماذا يسمح الله بالألم في حياة أولاده أليس الله محبة؟ كثيرًا ما يتساءل الإنسان في مرارة: "إذا كان الله محبًا وقادرًا على كل شيء، فلماذا يسمح بالألم في حياة الذين يحبهم؟" والحقيقة أن الكتاب المقدس لا يقدم جوابًا واحدًا بسيطًا، بل يكشف لنا منظومة متكاملة من الحقائق التي تُظهر كيف يحوّل الله حتى أكثر الظروف إيلامًا إلى أدوات لتحقيق مقاصده الصالحة. أحيانًا يكون الألم مدرسة للنمو الروحي، إذ يمتحن الإيمان فينتج صبرًا وتزكية ورجاءً لا يخيب (يع ١: ٢-٣؛ رو ٥: ٣-٤). فهو يشبه النار التي لا تهدف إلى إحراق الذهب، بل إلى تنقيته من الشوائب. ومن خلال الضيقات أيضًا، يشكّل الله فينا صورة ابنه يسوع المسيح (رو ٨: ٢٩)، مؤكدًا أن جميع الأشياء، حتى المؤلمة منها، تعمل معًا للخير للذين يحبون الله (رو ٨: ٢٨). وفي مواقف أخرى، لا يكون الألم عقوبة، بل وسيلة لإظهار مجد الله. ويظهر ذلك بوضوح في رد الرب يسوع على تلاميذه بشأن الرجل المولود أعمى، إذ قال إن الأمر لم يكن بسبب خطية شخصية، بل «لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ» (يو ٩: ٢-٣). وقد يكون الألم أيضًا تأديبًا أبويًا نابعًا من محبة الله، تمامًا كما يؤدب الأب ابنه من أجل خيره ونضجه. وهذا التأديب، وإن بدا مؤلمًا في حينه، يثمر في النهاية سلامًا وبرًا للذين يتدربون به (عب ١٢: ٦-١١). كما أن المعاناة تحفظنا في حالة اتكال دائم على نعمة الله، بعيدًا عن الاتكال على قوتنا الذاتية. وهذا ما اختبره الرسول بولس من خلال "الشوكة في الجسد"، حين أدرك أن قوة المسيح تُكمَل في الضعف البشري (٢كو ١٢: ٩). بل إن الألم يمنح المؤمن أيضًا شرف الشركة مع المسيح؛ فنحن لا نتألم وحدنا، بل نشترك في آلامه (في ٣: ١٠؛ ١بط ٤: ١٣)، فتتحول المعاناة من عبثٍ بلا معنى إلى مشاركة حقيقية في طريق المسيح. ورغم أننا قد نجد أنفسنا في خضم صراع روحي غير منظور (أف ٦: ١٢)، فإن تعزيتنا تكمن في أن هذا الألم مؤقت، أما المجد الذي ينتظرنا فأبدي ولا يُقاس بآلام الزمان الحاضر (٢كو ٤: ١٧؛ رو ٨: ١٨). ومن أجمل ثمار الألم أنه يجعلنا قادرين على تعزية الآخرين، لأننا نشاركهم التعزية التي نلناها نحن أنفسنا من الله (٢كو ١: ٤). والأعظم من ذلك كله أن الله ليس إلهًا يراقبنا من بعيد، بل هو «قَرِيبٌ مِنَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ» (مز ٣٤: ١٨)، وقد وعد أن يكون معنا عندما نجتاز في المياه أو نعبر في النار (إش ٤٣: ٢). حين يتألم الأبرار... نماذج من الرجاء ولكي لا يبقى الحديث نظريًا، يقدم لنا الكتاب المقدس أمثلة حية لأشخاص ساروا في طريق الألم، لكنهم اختبروا يد الله الأمينة وسط ضيقاتهم. أيوب كان أيوب «كَامِلًا وَمُسْتَقِيمًا» (أي ١: ٨)، ومع ذلك فقد كل شيء. لم يكن ألمه عقوبة على خطية، بل كان جزءًا من امتحان في صراع روحي سماوي. ورغم صرخاته وأسئلته، ظل متمسكًا بإيمانه قائلًا: «الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا.» (أي ١: ٢١) وفي النهاية، رد الله إليه بركة أعظم مما كان يملك من قبل (أي ٤٢: ١٢). يوسف اختبر يوسف الغدر والعبودية والسجن والظلم، لكنه في نهاية رحلته أدرك أن الله كان يعمل وسط كل تلك الأحداث، فقال لإخوته: «أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا.» (تك ٥٠: ٢٠) وهكذا تحولت سنوات الألم إلى وسيلة لخلاص كثيرين. بولس الرسول لم تخلُ حياة الرسول بولس من الضربات والسجون والمخاطر والأتعاب (٢كو ١١: ٢٣ وما بعدها)، كما احتمل الشوكة في الجسد حتى لا يرتفع بالكبرياء (٢كو ١٢: ٧). ومع ذلك، ظل يرى في كل ضيقة فرصة لإعلان قوة المسيح وعمله. المسيح... الإجابة الكاملة ويبقى يسوع المسيح المثال الأسمى والتعزية العظمى لكل متألم. فهو «رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ» (إش ٥٣: ٣). لم يأتِ ليقدم للإنسان إجابات فلسفية مجردة عن الألم، بل جاء ليحمل الألم بنفسه، ويشاركنا معاناتنا، وينتصر عليها بقيامته. ولهذا فإننا لا نلجأ إلى رئيس كهنة بعيد عن آلامنا، بل إلى من «قَدْ جُرِّبَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَنَا، وَلَكِنْ بِلا خَطِيَّةٍ» (عب ٤: ١٥). إنه الإله الذي يسير معنا في وادي ظل الموت، ويأخذ بأيدينا وسط العاصفة، ويقودنا بثبات نحو الرجاء والمجد الأبدي، حيث «سَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَلاَ يَكُونُ الْمَوْتُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ» (رؤ ٢١: ٤). وعندئذٍ سندرك أن كل ألم سمح به الله في هذا الدهر لم يكن بلا غاية، بل كان جزءًا من عمله الكامل، الذي يقود أولاده إلى مجد لا يزول.

سجّل الدخول لتشارك بتعليقك على هذه المشاركة.

التعليقات

0 تعليق

لا توجد تعليقات بعد.